Papyri and Papyrology in Egypt revisited: Part I

تراث مصر المكتوب على أوراق البردى:

الأرشيف المصرى ما بين تركة الماضى وتحديات الحاضر والمستقبل

الجزء الأول

أهدى هذه الورقة إلى أستاذتى “أمل” التى لازالت كل يوم تذكرنى بألا أتخلى عن براءة الأطفال فى القلب أو العقل.

المقدمة

لا أسعى من خلال هذه الورقة إلى حشر المصريين فى التاريخ الأوربى أو الغربى للدراسات الكلاسيكية بشكل عام أو الدراسات البردية بشكل خاص ، فذلك فى حد ذاته يحتاج إلى مجلدات مثل المجلد القيم لدونالد مالكوم ريد (Donald Malcom Reid)، والذى إختار له عنواناً معبراً “لمن ينتمى الفرعون؟” (بالإنجليزية ?Whose Pharaohs)، و مدونات مثل مدونتى”Classics in Arabic“، “الكلاسيكيات العربية” التى تسعى إلى التعريف بالمدرسة المصرية فى الدراسات اليونانية واللاتينية والتاريخ القديم والأب المؤسس لها طه حسين (Taha Hussein) ، أو مدونة روبرتا متسا (Roberta Mazza) ، والتى إختارت لها أيضاً إسماً معبراً محتواها وهو “Faces and Voices”، أو مثل مدونتنا هذه التى إختارنا له إسماً يدل على المعالجات اليومية لهذا الموضوع الشائك الذى يطلق عليه الإستشراق “Everyday Orientalism”. وليس هدفى من هذه الورقة أن أقدم إستعراض أو ملخص للوثائق البردية و أرشيفاتها ومجموعات حفظها فى مصر وما يتعلق بذلك من تحديات وفرص للمجتمع المصرى أو الجامعات المصرية التى تدرس هذا العلم وتقدم إنتاج معرفى بالإنجليزية أحياناً وبالعربية فى أغلب الأوقات ، وهو للعلم إنتاج معرفى ضخم لكنه مهمش ، وذلك لأننى أشرت من قبل إلى فكرة المركزية الأوربية فى هذا التخصص الدقيق ولا إحتاج إلى الرجوع إلى هذه النقط المهمة فى الوقت الحالى. كل ما أريد أن أن أطرحه الآن هو سؤال بسيط : “ما هو السر وراء إخفاق المصريين المتواصل فى التعامل مع تراثهم المكتوب على أوراق البردى فى حين نجح أقرانهم فى أوربا وأمريكا ، ليس فقط فى الحفاظ على أوراق البردى بل فى الحفاظ على تراثنا الأثرى كله بمختلف أنواعه؟

ولعل أكثر الإجابات التى تريح القلب والعقل ، سواء فى مصر أو خارجها ، هى تلك “الإجابة التى تلقى باللوم على المصريين كأفراد ومجتمع ودولة فى سلسلة الإخفاقات المتواصلة التى نشهدها جميعاً ليس فقط على مستوى أوراق البردى بل فى الشأن الأثرى كله وهو أمر يدفع بالكثيرين إلى الإحباط محلياً ودولياً”. ومما لا شك فيه أن المصريين منذ 1952 هم المسؤلون عن الشأن الأثرى فى مصر ، ولكن المصريون لا يلعبون الدور الرئيسى فى هذا الأمر ، بل لم يكونوا هم اللاعبون الرئيسيون لهذا الدور طوال تاريخهم الحديث. فكل المطلعين على التاريخ الحديث لمصر يعرفون أن المنافسات الإمبراطورية على الساحة الدولية هى التى شكلت وإستولت على مقدرات البلاد والعباد والآثار منذ 1798 ولازالت تركة هذه المنافسات تلقى بظلالها ليس فقط على الأرشيف المصرى من أوراق البردى بل على الأرشيف والذاكرة المصرية بشكل عام. ولعل كل الناس يعلمون جيداً أن المصريون دخلوا مضمار البحث العلمى ، أو فلنقل سُمح لهم بدخول هذا المضمار فى وقت متأخر جداً عن رفاقهم الأوربيون والغربيون وذلك بعد أن وضعت الأسس والمعايير العلمية للعمل الأثرى والأكاديمى بشكل عام. فإذا ما نظرت مثلاً لبعض اللحظات التأسيسية لعلم الآثار وكيف نظر الغربيون والأوربيون لهذا البلد فإنك تذهل من رمزية إنكارهم لوجود المصريين على هذه البقعة من الأرض وهو إنكار ترافق ذهنياً مع فكرة “إكتشاف العالم” فى ذلك الوقت. ولعل أكثر الرموز تعبيراً عن هذه النظرة للبلد وأهلها هى أول صورة تقابلك فى الطبعة الأولى من الكتاب الشهير ” وصف مصر”. هذه الواجهة أو الصورة ، فى حد ذاتها، تحتاج فى تحليلها إلى مجلدات ، لكن أود أن أشير هنا إلى فكرة الإكتشاف والإنكار: بمعنى أن مصر كانت بالنسبة لمن أطلق عليهم لقب علماء الحملة الفرنسية ، وهم فى الأصل جنود لنابليون بونابرت ويتمثلون فكره وتصرفاته ، “بلد مليانه آثار ملهاش أصحاب“. ولعل الصورة المطبوعة قد عبرت عن ما أخفته عقولهم وصدورهم أصدق تعبير؛ فها هو نابليون بونابرت فى أعلى الصورة عارياً فوق عربته الحربية وكأنه الإسكندر الأكبر يطارد المماليك الذين يتساقطون أمامه كالفئران ؛ وها هى ربات الفنون والعلم والآداب تمشى خلف عربته الحربية وقد رجعت لمصر بعدما رست سفينة القائد فى ميناء الإسكندرية التى تظهر فى الصورة من تحته وهي مكدسة بالأثار والمسلات وعمود السوارى ومن بعدها الدلتا ثم الجيزة بأهراماتها وأبو الهول ؛ وها هو النيل بصفوف المعابد والمدن الأثرية على ضفتيه حتى أسوان وهو مشهد بديع للغاية لا يحق؛ وفقاً لتصور من رسم اللوحة أو من أعطى أمر رسمها ؛ لأى مصرى أن يعكر صفو جماله بخلقته العكرة. هذه هى مصر كما تصورها جنود نابليون فكما رآها قائدهم بأنها “بلد ملهاش أصحاب” وأنه صاحب حق إكتشافها ، صورها جنوده على أنها أرض عريقة إكتشفوها هم ويحق لهم إنكار وجود أهلها.

napoleonsegypt

ولننتقل لبعد ذلك بمائة عام بالتمام والكمال وتحديداً عام 1902 ميلادية ولنأخذ مثالاً حياً لازال على قواعده حتى اليوم وهو بوابة المتحف المصرى بالتحرير. وهى بوابة آخرى من بوابات التاريخ تحمل دلالات رمزية غاية فى الأهمية لهذه اللحظات التأسيسية ليس فقط للأرشيف المصرى أو الآثار المصرية بل لتاريخ مصر الحديث أيضاً وتحتاج هذه البوابة ؛ بوابة الدخول إلى دهاليز التاريخ المصرى والغوص فى الماضى البعيد لذاكرة هذه الأمة وأرشيفها الأثرى ؛ مثلها مثل واجهة المتحف كله ومبنى المتحف نفسه ، إلى مجلدت من التحليل الدقيق لهذه البوابة و الواجهة وهذا المبنى برمزيته وحضوره الطاغى فى المكان والزمان والوعى المصرى لمقالات أحفورية فى المعرفة والرمز والدلالة كما فعل دونالد مالكوم ريد فى مقدمة كتابه السابق الذكر أو فى مقال له يفك فيه شفرة (decipher) ويحلل هذه الوجهة بشكل مفصل. ولا يعنينا هنا إلا النظر إلى النص المنقوش فوق البوابة بإسم حاكم مصر فى ذلك الوقت عباس حلمى الثانى بلغته اللاتينية المرتبطة تاريخياً بالإمبراطورية الرومانية وحديثاً بأوربا ، و تاريخ إنشاء المتحف بالتقويم الهجرى المكتوب بأرقام رومانية (لاتينية) لتصل لنا الرسالة واضحة لا لبس فيها (نقلاً عن كتاب “لمن ينتمى الفرعون؟):

“ُEgyptology is a European science which has rediscovered the greatness of ancient Egypt, a forerunner of Western civilization. Modern Egyptians are unworthy heirs of ancient ones and incapable of either national greatness or serious Egyptology.

يعنى بالعربى كده “علم المصريات ده علم بتاع الخواجات بتوع أوربا اللى إكتشفوا عظمة مصر القديمة و اللى هيه فى نظرهم مقدمة للتطور الحضارى الأوربى ، أما المصريين بتوع اليومين دول ( الكلام ده سنة 1902!) ملهمش فى الليلة ولم يرثوا عن أجدادههم ولا المجد القومى ولا العلم الجاد

egyptian_museum_19

وحتى فى الفترة التى كان فيها التنقيب عن الآثار على أشده فى المراحل الأولى من علم الآثار، وعلى الرغم من إن المصريين كانوا إيدهم بإيد الخواجات فى كل حتة فى مصر ، لم يعلق فى الأذهان عن المصريين إلى صورتهم وهمه بيحفروا وينقبوا عن الآثار فى شرق مصر وغربها (سواء قانونياً أو غير قانونى)، أما الخواجات الأوربيين فكانوا هم دائماً أبداً العلماء و المتخصصون والخبراء ولعل مسألة ذقن توت عنخ آمون الأخيرة تختصر الكلام كله ( هنا نقلاً عن البوابة نيوز:ترميم ذقن توت عنخ آمون على يد فريق ألمانى …..ماقلنا إدى العيش لخبازه !)

EGYPT-ARCHAEOLOGY-TUTANKHAMUN

أكلاشيهات فارغة أم حقيقة وواقع؟

يعنى من الآخر سواء فى سنة 1798 أو 1902 أو حتى فى 2015 إحنا ( وبإحنا أقصد الأثريين و المتخصصين فى شتى فروع الآثار فى مصر) مش الخبازين بتوع العيش المصرى ؛ الألمان ورفاقهم من أهل أوربا وأمريكا همه الخبراء فى تاريخ مصر وآثارها! فهل تعكس هذه المقولات المتداولة على ألسنة الصحافة والعامة والمتخصصين سواء فى مصر أو خارجها أكلاشيهات فارغة تكتر الماضى وتردد أفكاره الإستعمارية أم أنها حقيقة وواقع ملموس فى حياتنا نحن المصريين العلمية والعملية والعامة حتى وقتنا الحالى بعد الإستقلال سنة 1952؟ وما علاقة مثل هذه الأكلشيهات بتاريخ مصر الحديث وتاريخ أهلها فى إرتباطهم ومقاومتهم العلمية والعملية للأجندة الأوربية والأمريكية فى الشرق الأوسط و مصر تحديداً ؟ وعلاقة ده كله بكلام فرانتس فانون (Frantz Fanon) عن التحليل النفسى للعلاقة المتوترة ما بين المستعمر والمُستعمر و تفريقه ما بين “الشعوب والأفراد المحتلة أراضيها” لكن عقولها وقلوبها حرة و “الشعوب والأفراد المُستعمرة” التى يمكن تكون أراضيها محتلة لكن عقولها وقلوبها حرة أبية و على قدر كبير من الثقة بالنفس بدون خداع للذات وبقدر كبير من الشجاعة فى مواجهة تركة الماضى التقيلة وخيبة الأمل الحديثة !

frantz_fanon

أهداف المقالة الحالية

الموضوع ده متشعب للغاية و شائك إلى أبعد الحدود ووجهات النظر فيه والسرديات لا حصر لها ويحتار معها العقل والقلب فى الإجابة إلى أن يسلم بالإجابة الأسهل التى أوردتها فى الأعلى يعنى من الآخر أسهل حاجة إنك كمصرى تردد هذه الأكلاشيهات الفارغة عن التراث وتشترك مع ملايين ، مش بس فى مصر ، بل فى العالم كله، فى “إحتقار الذات المصرية” فى تعاملها مع التراث بشكل خاص والأرشيف المصرى عموماً.

والكلام ده محتاج لتفكيك سواء على مستوى الخطاب أو المستوى العلمى الأكاديمى الداخلى فى التخصصات اللى بتتعامل مع أرشيف الشعب المصرى ومنها أرشيف أوراق البردى والعصر البطلمى والرومانى والبيزنطى فى مصر وهذا ما تحاول هذه الورقة الشروع فيه ؛ أو على مستوى الخطاب فى المخيلة العامة للناس فى مصر. هذا الإحتقار فى المخيلة والنفسية إحتقار تاريخى متجدد و له ما يثْبِته ويثَبته داخلياً وخارجياً سواء على مستوى العام أو الخاص (الأفراد) أو على مستوى علوم متخصصة مثل علم الآثار أوعلم البردى أو بشكل عام على مستوى الذاكرة المصرية والأرشيف المصرى أو التاريخ المصرى سواء القديم منه أو الحديث. والمتتبع لعمليات تمثل هذا الإحتقار (يعنى تصديقه) على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمعات ( سواء داخل مصر أو خارجها ) يذهل من قدرة هذه الآلية النفسية للمُستعمر على إختراق الذات المُستعمرة وإحتلاله ليس فقط لأرض مصر بل أجساد أهلها وعقولهم وقلوبهم حتى بعد جلائه عن أراضيهم وهو الجلاء اللى بتمر ذكرى توقيع إتفاقيته بين مصر وإنجلترا هذا الشهر (تحديداً بكره بتاريخ 27/06/1954) أو جلاء آخر جندى إنجليزي عن أرض القناة مع إندلاع أزمة السويس التى تحل ذكراها الشهر ده برضه (تحديداً النهاردة يوم 26 يوليو 1956 بقرار عبد الناصر الشهير بتأميم القناة).وعلى الرغم من التشريح العميق للموضوعات الحرجة دى فى التاريخ الحديث والسرديات والرؤى المختلفة للتجربة الحديثة سواء فى أوربا أو فى مصر والشرق واللى قدمها لنا الكثيرون أمثال إدوارد سعيد و جرامتشى و فانن اللى تناولوا موضوعات تتصل بالسياق المصرى الحديث بدرجات متفاوتة أو ناس أمثال خالد فهمى اللى ركز على التجربة والأرشيف المصرى الحديث وطلع منه بنتائج مهمة تدحض إلى حد كبير السردية الأوربية الكبرى عن التاريخ المصرى الحديث و دور المصريين فيه وتدعوا للتسائل “هل هناك مبرر تاريخى لإحتقار الذات المصرية بهذه الدرجة من الحدة فى جميع المجالات أم أنها مجرد “وسيلة نفسية للإخضاع” “ظهرت فى أول الأمر كحجة و”مبرر للإستعمار” ثم تحولت بعد ذلك إلى “عقدة نقص” تمثلها الكثيرون بدرجات متفاوتة لكن قاومها برضه الكثيرون ، والأهم من كل هذا هو أن هذه الوسيلة أو هذا المبرر أو هذه العقدة أو هذا الإحتقار والتقليل من الذات المصرية يسقط مع أى بحث أكاديمى محترم حول أى موضوع من هذه الموضوعات الملتبسة وهذا ما أحاول أن أقوم به الآن فى مسألة تراث مصر المكتوب على أوراق البردى أو ما أسميه الأرشيف المصرى القديم. ولعل هذا التقليل من المصريين ، عامة ومتخصصين ، ولا يتوافق مع أحد أهم المبادئى التى تتبانها الجمعية الدولية للباحثين فى أوراق البردى (Association Internationale de Papyrologues) والمعروف بين المتخصصين وهو (amicitia papyrologorum) وهو عبارة عن كود أخلاقى يحد على الصداقة والود بين المشتغلين فى هذا المجال. لكن الأهم من كل ده بالنسبة للورقة الحالية هو فكرة إن التقليل من المصريين دى اللى أنا شايف إنها ليس فقط تاريخية بل متجددة و منظمة (historical systematic discrediting) بتستخدم من بعض الأفراد فى الوقت الحاضر كميكانيزم أو آليه لتوجيه دفة الحوار الأكاديمى فى المجال ده بعيد عن الحتة اللى مفروض يتهم بيها وهى معالجة تحديات الحاضر و مراجعة تركة الماضى سواء على مستوى مصر أو المستوى الدولى واللى هيه فى كثير من الأحيان منبع معظم كل المشاكل فى المجال كما أتصور. المشاكل دى بالفعل حقيقة وحاضرة فى كل مكان سواء فى مصر أو فى الأرشيف الأوربى أو الأمريكى اللى بيحتفظ بأعداد مهولة من البردات دى لكن بيواجه مجموعة من الظروف الصعبة فى الوقت الحاضر من نقس الدعم إلخ واللى بيرجع الكثير منها لإعتبارات سياسية دولية و إعتبارت تتعلق بسياسة الدولة المختلفة المتعلقة بالمتاحف والثقافة والأرشيف بشكل عام ولها تأثيرها القوى على التخصص بتاعنا ده. لكن من الأسباب اللى مخلى فكرة التقليل والإحتقار دى فى الفترة دى تزيد هو الموجه الشعبوية فى أوربا وأمريكا اللى كمان مخليه الكل يدور على كبش فداء يحمله أخطاء الماضى والحاضر والمستقبل من خلال تحويله إلى عدو للشعب وهيه آليه دفاع عن النفس بتظهر عند البشر فى وقت الشدائد ولها سوابق تاريخية كتيرة ولعل أقربها تجربة ما بين الحربين فى أوربا وتحميل اليهود لكل أخطاء وخطايا وإحباطات الحرب والسلام. و الآلية النفسية دى تسعى دائماً إلى ترييح الدماغ وعدم البحث وراء الأسباب الرئيسية للمشكلة أو المشاكل و وصفها بإنها أزلية و بترتبط كمان بمحاول تشويه أى حد يحاول يفكر فى حلول مبتكرة للمعضلة دى و إن ده مضيعة للوقت أو محاولات لا طائل منها أو إن البحث العلمى الأكاديمى لا يهتم بمثل هذه الموضوعات الهامشية أو العابرة لحدود التخصصات وكل واحد يخليه فى حاله ويجرى على أكل عيشه إلى آخر هذا الكلام الصحيح، لكن بالنسبة ليه ليس فى موضعه بالمرة. وبلاش كلام كتير وتعالوا بقى نرجع تانى لأوراق البردى.

بداية متأزمة :الحضارة الأوربية ومستقبل الثقافة ما بين طه حسين وسيد قطب

المتخصصون فى أوراق البردى مش كتير على مستوى العالم ، لكن الألمان شاطرين فى المجال ده فعلاً وأحد أبرز المجالات اللى همه شاطرين فيها هو مجال القانون المصرى المسطر على أوراق البردى و ده نابع أصلاً من شطارتهم فى الدراسات القانونية بشكل عام. المهم مع لما ربنا كرمنى و زادت الحصيلة العلمية بتاعتى فى مجال التاريخ المصرى فى العصرين ومصادره اللى هيه مسطره على أوراق البردى شوفت قد إيه الحدود بين التخصصات الدقيقة اللى بتتناول الفترة دى حدود هشة وغير واضحة المعالم أصلاً. وللعلم هى حدود وضعها الأوربيون والأمريكان بداية من الحملة الفرنسية على مصر لغاية ما أصبحت قواعد صارمة لكل الناس اللى بيشتغلوا فى المجال مع منتصف القرن التاسع عشر ، يعنى زى ما بنقول كده (crystalized) و بعدين مع الترجمات وإنشاء الجامعات المصرية بداية بجامعة القاهرة وعين شمس والإسكندرية وهلم جر أصبحت هذه الحدود مجال للجدل العلمى ، وأحياناً الصراع، ما بين الأساتذة وده اللى بنقراه مثلا فى مذكرات المؤرخ المصرى رؤف عباس ومن قبله طبعاً طه حسين و كتابه مستقبل الثقافة فى مصر. والحقيقة إن الجدالات والصراعات هذه لم تتوقف للموقت الحالى سواء على المستوى الأكاديمى أو المستوى العام وبتشتعل بين الجبهات كل على حسب توجهه ورؤيته للتاريخ وتعامله مع الأرشيف والذاكرة المصرية وده بسبب بسيط جداً وهو إن مصر صاحبة أكبر أرشيف فى تاريخ الأمم واللى بيمتد للآلاف السنين والأمر ده موجود فى أرشيفات الدولة الحديثة فما بالك بالأرشيف المصرى بوثائقه المتعددة اللغات. ومن هنا فلو حضرتك شغال على الأرشيف الهيروغليفى أو الديموطيقى أو الهيراطيقى هتتبع الأباء المؤسسين لعلم الآثار وتقول إن الأرشيف ده مصرى وإنته بتشتغل فى المصريات (Egyptology) ولو سيادتك شغال والعايز بالله زى حالاتى كده على الوثائق اليونانى فكلم ما تقرب للتاريخ المصرى هيتقال إيه اللى جابك عندنا إنت مش كلاسكيى (Classics) وشغال على اليونانى يا إبنى ! على الرغم من إن طه حسين قبل كده فصل الموضوع ده وقال إن التاريخ المصرى فى الألف سنة اللى حكمنا فيها البطالمة ومن بعدهم الرومان جزء لا يتجزأ من تاريخ وذاكرة هذه الأمة وهوه بنفسه درس التاريخ ده فى الجامعة المصرية وترجم بردية دستور الآثينين للعربى. وحتى يا أخى لو سلمنا إن الأرشيف اليونانى مش مصرى ويخص الشعب اليونانى ، فده مش صحيح ، الأرشيف اليونانى يخص أوربا وهفصل الكلام ده تحت فخليك معايه. ولو إن وثائق الأرشيف دى قبطية يقولك ده تبع المتخصصين فى القبطيات (coptologists) ولو وثائق عربية تنتمى لفترة ما بعد الفتح العربى مباشرة يقول دى تخص المتخصصين فى اللغة العربية والتاريخ الإسلامى (Arabists). ولك أن تتخليل وقع مثل هذه التصنيفات على المخيلة العامة للمصريين وجدالاتهم حول الأرشيف وحول أصولهم وتاريخهم وهل همه مصريين ولا يونانين ولا أقباط ولا عرب ولا إيه بالظبط. وأظن أنا مش محتاج أفصل فى الموضوع ده ويكفى تقرأ كتاب “مستقبل الثقافة فى مصر” لطه حسين و نقد سيد قطب لكتاب طه حسين تحت عنوان مباشر وصريح “نقد كتاب مستقبل الثقافة فى مصر” ورده على مسألة هل مصر شرقية أم غربية و مصر والحضارة الأوربية الحديثة لتعرف خطورة ما أقول.

tahahussein

sayyid_qutb

نهاية حزينة لتخصص دقيق: القانون المصرى المسطر على أوراق البردى

نرجع تانى للألمان وشطارتهم فى القانون ، وخاصة القانون المصرى المسطر على أوراق البردى وهو ما يطلق عليه عندنا إحنا معشر العارفين بخبايا الأمور (Juristic Papyrology) ويعرف فى مصر كأحد فروع “تاريخ وفلسفة القانون” أو القانون الرومانى” وهوبالمناسبة أحد التخصصات التى دعى طه حسين إلى إن المصريين يأخذوها على عاتقهم لكن لأسباب تتعلق بطبيعة الوثائق نفسها وصعوبة التعامل معها سواء لغوياً أو فنياً محصلش الموضوع ده لحد دلوقتى. المهم واحد من أهم المتخصصين فى المجال ده أستاذ ألمانى إسمه هانز البرت روبرشت (Hans-Albert Rupprecht) واللى عرف علم البردى تعريف دقيق أوى حتى إنه إستخدم كلمة فى هذه الفترة للإشارة إلى التعريف اللى بيورده تعريف مرتبط بظروف تاريخية أكاديمية محددة. وفى التعريف ده قصر علم البردى على الأوراق اليونانية ومن ورائه طبعاً القانون المصرى المستمد من أوراق البردى دى وقال أن راجل شغال على الوثائق اليونانية و اللى هيه كانت لا هيه مصرية بل هلليستينية ( يعنى متأغرقة) وده صحيح إلى حد كبير لكن النتيجة إن الظروف التاريخية الأكادييمية المحددة دى لم تأثر فقط على توجهه للتخصص بل حدد مصير التخصص فى الجامعة اللى بيدرس فيها بل فى ألمانيا كلها. الظروف التاريخية اللى إتكلم عنها المتخصص ده هى كانت ظروف الإحتجاجات بتاع سنة 1968 اللى مخلتش حتة فى أوربا ولا أمريكا إلا سمعت فيها. وبصراحة ملقتش أجمل من الصورة دى للتعبير عن روح الإحتجاجات الطلابية دى (شايف الولد بيبص لوزير التربية والتعليم الزاى وهوه حاطط رجل على رجل !). الشباب كانوا محتلين إتحاد اطلبة فى إستكهولم والوزير أولاف بالمه (Olaf Palme) واللى كان لسه ياعينى مستلم الوزارة قبلها بسنة جه عشان يحثهم على الإلتزام بالمبادئى الديمقراطية. السنة اللى بعدها يعنى 1969 أصبح أولاف رئيس وزراء السويد لغاية ما أغتيل سنة 1984(لأسباب غير معروفة حتى اليوم). المهم الفترة دى من تاريخ العالم كانت فترة ملتهبة.

olof_palme_1968

الجدل حول الحضارة الأوربية والسياسة التعليمية وإحتجاجت 1968

الجدل حول الحضارة الأوربية القديمة والحديثة كانت فى قلب هذه الإحتجاجات وتحديداً مسألة اليونان والرومان واللغتيين اليونانية واللاتينية واللى بيشكلوا محور تعليمى مهم فى معظم مدارس أوربا وخاصة فى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وبالطبع أمريكا ليها فى هذا الجدل وهذه اللغات جانب كبير. المهم من أهم نتائح الأحداث دى هو تخلى كثير من الدول عن تدريس المادتين دول فى المدارس و إسقاط شروط إجادة اللغة اليونانية القديمة واللايتينة للإلتحاق بكليات عالية التخصص زى الحقوق وهو الأمر اللى إنعكس بشكل مباشر على تخصص القانون بشكل عام وتخصص القانون المسطر على أوراق البردى أو تاريخ القانون بشكل خاص مما أدى إلى تهميش دور هذا التخصص منذ سنة 1968 وحتى أن قررت جامعة ماربورج حيث يدرس هانز-ألبرت روبرشت التخلص من هذا التخصص بالكامل وعدم تعيين خلف له بعد وصوله سنة المعاش سنة 2006. . وفى تعليقها على هذه الخسارة قالت بروفسر أندريا يوردنس اللى أشرفت على رسالة الدكتوراة بتاعتى فى هيدلبرج فى الفترة من 2012 لغاية 2016 ، إن إغلاق معهد تاريخ القانون فى ماربورج ليس معنها فقط نهاية التخصص فى جامعة ماربورج بل نهاية التخصص فى ألمانيا كلها. وبكده لم يتبقى فى تخصص أوراق البردى فى ألمانيا إلا ثلاث معاهد بس وهمه معهد كولن ومعهد ترير و معهد هيدلبرج . وفى نفس السنة اللى أنا أخدت فيها الدكتوراة من هيدلبرج يعنى سنة 2016 قالت البروفيسور أندريا يوردنس فى مقابله صحفية لجريدة سدوتشتسايتج منشورة على النت هنا ، إن حتى معهد هيدلبرج نفسه معرض للإغلاق بعد ما هى تطلع على المعاش.

جامعة عين شمس بداية رائدة وحاضر مشرق ومستقبل واعد للتخصص فى أوراق البردى

تعالى بقى لما نرجع للقاهرة مع بعض ونروح نشوف جامعة عين شمس وهى الجامعة الوحيدة على مستوى مصر اللى بيدرس فيها هذا التخصص الدقيق والنادر . فمثلاً عندنا فى قسم “الحضارة الأوربية القديمة” (واخد بالك من الإسم! ده اللى إختاره طه حسين على فكره!) فيه ما يقرب من سبعة متخصيين فى المجال ده وبالإضافة إلى ليسانس الحضارة بنقدم ماجستير ودكتوراة فى أوراق البردى كمان. ليس هذا فقط بل هناك مركز للدراسات البردية والنقوش تديره الزميلة العزيزة والنشيطة البروفيسورة نهى سالم و بيقدم المركز خدمات متعددة للباحثين وفيه مكتبة (صغيرة بس تملى التنك الدماغ يعنى (على رأى سمبا فى فيلم Lion King واللى بيعرفه فيه تيمون وبومبا على حكمتهم هاكونا ماطاطا فى الدقيقة 02:53 من الفيديو هنا) و يعقد ندوات وسمنارات و دورات تدربيبة متخصصة بالتعاون مع الجامعات المصرية و الدولية ومؤتمر سنوى لأوراق البردى يصاحبه تغطيه إعلاميه جيدة بالإضافة إلى متابعة ممتازة من المتخصيين فى مصر والعالم العربى و تصدر أعماله فى مجلة المركز التى توزع على جميع المراكز المتخصصة الدولية فى هذا المجال. وتحت قيادة البروفيسورة والزميلة العزيزة نهى يشهد هذا المركز طفرة فى الفعاليات والحضور المصرى والدولى ولا أبالغ ولا أجمال لكن الحقيقة وللمركز تاريخ طويل يشهد على عطاء أجيال من الأساتذة المصرين بداية من الراحل عبد الله حسن المسلمى إنتهاء بدكتور سيد عمر ودكتورة عليه حنفى أصحاب الريادة والسمعة الدولية فى هذا المجال. ليس هذا فقط بل إن جامعة عين شمس قد قاربت على الإنتهاء من تشطيب وتسليم المقر الجديد لمعهد الدراسات البردية والنقوش وفنون الترمين والذى يحتوى على خمسة أقسام تقدم درجات الدبلوم و الماجستير والدكتوراة فى هذا المجال الدقيق. والملفت للنظر أن كل هؤلاء الأساتذة السابق ذكرهم فى قمة التواضع الخلقى بعد هذه الإنجازات القومية ويعتبرون ما حققوه ويحققونه قليل وهو عندى كثير! وقد يرى البعض مثل هذه الأمور ، مقارنة بالمنجز الأوربى ، لا شئ يذكر لكن المعنى والرمز هنا عندى يفوق التفاصيل. ولعلنى أتحدث هنا على ما أعرف لكن هذا الأمر قد ينطبق على تخصصات أخرى كثيرة فى الشأن الأثرى سواء الجانب العلمى أو العملى منه ، لكن سوف أفصل القول فى رمزية هذه المشروعات وقدرتها سواء فى الحاضر أو المستقبل القريب بإذن الله على الوصول إلى المكانة التى نتمناها لها والشكل الذى يرضينا عنها وعن أنفسنا، لكن المهم أن مصر بدأت والرمز هنا قد يعنى الكثير عندى وعندى الجمهور والمتخصصين على حد سواء.

مصر الإستثناء فى المجال الأثرى أم القاعدة؟

وبسبب التاريخ الطويل للعمل الأثرى فى مصر وجذوره التاريخة وتشعباته فى الحاضر وإرتباطه بسعى أوربا ، أو الحضارة الأوربية كما يحلو للبعض تسميتها ، فى بحثها عن أصولها بداية من القرن الثامن عشر وحتى اليوم فإن التركة الأثرية فى مصر تركة ثقيلة للغاية كما ذكرت. ولذلك يحلو للكثيرين أن يصورا الوضع الأثرى المصرى فى مصر وكأنه ظهر بمعزل عن أوربا أو أن المصريين هم الوحيدين المسؤلين اليوم عن كل ما يحدث فى المتاحف وينسوا ويتناسوا الماضى (أقصد ماضى أوربا فى العمل الأثرى فى مصر وهى التى كان يسيطر رعاياها على كل شئ فى مصر ليس فقط العمل الأثرى) وينسوا الحاضر (أقصد أن أوربا وأمريكا هى أكبر سوق للآثار فى العالم). يضاف إلى ذلك أيضاً التركة الأوربية والأمريكية فى المتاحف و المواقع الأثرية بالإضافة إلى الحاضر الأوربى القوى لهذه الدول وعلى رأسها فرنسا و ألمانيا وأمريكا فى التنقيب الأثرى و الإنتاج المعرفى فى هذا المجال وهو إنتاج تسيطر عليه اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية بل تحدد فى كثير من الأحيان ليس فقط توجهات البحث فيه بل أيضاً التراث الداخلى لهذه الأبحاث وكلنا يعرف سطوة التراث فى أى بيت فما بالك على مستوى البيوت والأمم ، ولعل كل من يقرأ مقالى هذا قد يفهم لماذ أطلق طه حسين على اللغتينن اليونانية واللاتينية وكل الدراسات المتعلقة بهما من آثار وتاريخ وفلسفة ومخطوطات و أدب إلخ مصطلح “الحضارة الأوربية القديمة” على الرغم من إلتباس هذا الأمر . ولربما أن العميد قد تشبع وقتها بالمقولة أو الأكلاشيه الغربى القائل بأن الحضارة اليونانية والرومانية هى أصل أوربا وهو موضوع شائك ولا يخصنا اليوم بقدر ما يخصنا فكرة “حراس الحضارة والعلم والتراث” أو الأباء المؤسسين فى علم الآثار وعلم البردى وكيف أن إرثهم اليوم وسطوتهم على كل ما نطلق عليه “مصرى” لازال قوياً ومحسوس فى بداية القرن الواحد والعشرين كما كان فى بدايات القرن الثامن عشر ولازال خطابهم وأصواتهم العالية تملاء سماء الدنيا وتحدد فكرة الملايين عن الماضى ، ليس فقط الأوربى ، بل العالم ولذلك أطلق على هذه الفكرة المأسسة مصطلح “السردية الأوربية الكبرى للتاريخ” وذلك لأنها لا تستثنى أحد على وجه الأرض وذلك لتاريخ أوربا الإستعمارى فى كل بقاع الأرض . إلا أنا صوت أوربا لا يمكن أن يكون هو المحدد الأول والأخير فى حركة التاريخ والعلم والحضارة والأهم من ذلك فى “جدلية الشعوب والأفراد مع الأرشيف ومع الماضى بشكل عام” . ولعل العارفين ببواطن الأمور لا يختلفون معى فى أن المحدد للخطاب المعرفى فى هذا المجال حتى الوقت الحاضر هى أوربا بمؤسساتها العلمية والتعليمة الضخمة بالإضافة إلى مكتباتها وأرشيفاتها وجمعيات المتخصصين التى فى كثير من الأحيان الآن قد فتحت المجال لتصحيح أخطاء الماضى ولكن على إستحياء فيكفى مثلا أن تسمع عن إستقالة أهجاف سويف من أمانة المتحف البريطانى بلندن لتفهم ما أقول أو تتبع سلاسلة التحليلات الأخيرة التى قامت بها الزميلة العزيز كاثرين بلوون عن تركيبة مجالس الأمناء واللجان العليا للجمعيات المتخصصة فى شأن التخصصات المرتبطة بالماضى البشرى شمال وجنوب البحر المتوسط لترى أن الأوربيون الغربيون الرجال هم الذين لازالوا يتصدرون المشهد ويحددون الخطاب المعرفى سواء لأوربا أو للشرق الأوسط. ولنأخذ مثال جمعية المتخصصين فى أوراق البردى الدولية ورؤيتها للتخصص فى مصر وهو ما ظهر جلياً فى توصياتها الأخيرة حول عمليات تهريب البرديات وهو شأن خطير يتردد صداه فى البرلمان والشارع المصرى ، لكن الجمعية ترى أن مشكلة الدراسات البردية فى مصر مشكلة تخص مصر لدرجة أنهم لم يستدعوا أى أثرى أو مؤرخ أو أستاذ بردى من الذين ذكرت أسمائهم فى الفقرة السابقة للتشاور فى هذا الأمر وأصدروا مجوعة من “التوصيات للنهوض بالدراسات البردية لمصر وحفظ تراثها المسطر على أوراق البردى” على الطريقة السياسة سيئة السمعة و ذات التاريخ الطويل فى المنطقة فى تماهى تام مع السياسة الخارجية للإتحاد الأوربى أو أمريكا كل عضو فى اللجنة على حسب جنسية دولته.

تهميش أم عنصرية متأصلة فى المجال؟

ولعل هذا التهميش المتعمد للمدرس المصرية فى تخصص مهم من التخصصات الأثرية وهو تخصص علم البردى اليونانى و التجاهل التام لأساتذة كبار فى هذا المجال كان من الممكن إستشارتهم فى هذا الشأن أو حتى التشاور مع مؤسسات مصرية مثل وزارة الآثار بإرسال مندوب عنها لهذه اللجنة للتشاور أو حتى إرسال دعوة أو إيميل لأستاذ تاريخ قديم فى جامعة الإسكندرية أو أستاذ آثار فى جامعة القاهرة ذراً للرماد فى العيون كما يقولون يعنى محاولة منهم لرفع الحرج عن أنفسهم إذا ما إنتقد أحد الجمعية الدولية على قرارتها أو عدم دعواتها لمتخصص من مصر لمناقشة هذا الأمر الخطير على المستوى القومى والدولى وهو تهريب الآثار والبرديات تحديداً . المهم أنهم لم يفعلوا ذلك وعندما يعرف السبب يبطل العجب . والسبب هنا يدحض كل إحتقار للذات المصرية عند المتخصيين وغير المتخصيين ولندع أحد أهم الأحداث فى التاريخ العلمى والمعرفى فى المجال الأثرى والكلاسيكيى فى أمريكا يخبرنا عن السبب . ولنستمع لكلمات معبرة وكاشفة للبروفسيور دانإل باديلا بيرلاته (Dan-el Padilla Peralta)، بعد تعرضه لهجوم لفظى من عنصرى إحتقر ذات هذا الأستاذ وبشرته السمراء وأدعى هذا العنصرى أن البروفيسو دانإن قد حصل على وظيفته فى جامعة برنستون فى تخصص الكلاسيكيات أو الحضارة الأوربية القديمة لا بسبب تفوقه الدراسى بل بسبب “سواده” .

dan-el20padilla20peralta

حدث هذا فى الإجتماع المشترك لمعهد أمريكا للدراسات الأثرية و جمعية الدراسات الكلاسيكية الأمريكية فى سان دييجوا هذا العام 2019 وذلك حين عرض البروفيسو دانإل ورقة بحثية بعنوان “مستقبل الدراسات اليونانية واللايتينة” كشف فيها عن سيطرة البيض على معظم الأوراق المنشورة فى المجلات العلمية المحكمة فى المجال وهو الأمر الذى يدل على أن البيض سوف يحصلون بالطبع على الوظائف الأكاديمية المتاحة ليس فقط فى أمريكا بل فى العالم كله وذلك لسطوة الأكاديمية الأمريكية ليس فقط على هذا التخصص بل على كل التخصصات العلمية حديثاً . وبغض النظر على رمزية الهجوم وتوقيته و المحتوى العلمى الذى قدمه هذا البروفيسور المحنك ، إلا أن ما يعننا فى هذه اللحظة هو كلماته المعبرة بعد هذا الحدث حيث قال عن تخصص التاريخ القديم والذى يعرف بالتاريخ الكلاسيكيى أو تخصص الدراست الكلاسيكية بشكل عام

“To ascribe racism to an individual pathology is to move the conversation away from where it needs to dwell: the collective pathology of a field that lacks the courage to acknowledge its historical and ongoing inability to value scholars from underrepresented groups.”

“إن وصف ما حدث على أنه حالة فردية تعبرعن الصحة النفسية المضطربة للمهاجم هو محاولة بائسة لتحويل دفة الحوار (الأكاديمى) بعيداً عن الموضع الذى يجب أن يتمحور حوله النقاش فى هذا الأمر ألا وهو الإضطراب النفسى العام للتخص الأكاديمي نفسه وإفتقاره للشجاعة [الأدبية] على مواجهة عدم قدرته التاريخية والمتجددة على تقدير المتخصصين الذين ينتمون لمجموعات مهمشة أو حتى مجرد الإعتراف بهذا الأمر.

ولعل هذه الكلمات القوية تجعلنى أقول أن أفضل الإستراتيجيات التى يجب على الجمعية الدولية للمتخصيين فى علم البردى للحفاظ على التراث المكتوب لمصر وأرشيفها القديم هو أن تشجع أعضائها فى كل مكان فى أوربا وأمريكا على رد بعض من الإعتبار والكرامة لزملائهم من مصر وإعطائهم الفرصة والمصداقية فى هذا المجال بأخذ رأيهم فى الأمور المتعلقة بهذا الأرشيف القومى على إعتبار أن هؤلاء المتخصصين المصريين ، ليسوا فقط مصريين همشوا بسبب للإحتلال الأوربى المباشر وغير مباشر لأرضهم وأجسادهم وأرواحهم وعقولهم ، بل لأنهم أيضاً ممثلون عن شعب عاش على هذه الأرض لآلاف السنين حتى جاء المستعمر وحرمه من أرشيفه القديم و تسلط عليه وعلى الخطاب المعرفى فى هذا الأرشيف و حوله إلى يومنا هذا. ولعل للجمعية فى تخصص الدراسات الإنجليزية مثال حسن فى هذا الأمر فبمجرد فتح المجال للمهمشين والأصوات النسائية و الدراسات مابعد الكولونيالية أصبح المجال والثقافة الإنجليزية نفسها أكثر رحبة وأكثر تقبلاً ومصداقية لدى الشعوب الإنجليزية نفسها والشعوب الأوربية بشكل عام وكل شعوب العالم . بل إن عملية المراجعة لمسائلة الثقافة والحضارة والسردية الأوربية الكبرى للتاريخ قد خرجت من عبائة هذا التخصص لتطول معظم التخصصات اليوم فهل يبقى مجال علم البردى والدراسات الكلاسيكية ومجال الآثار بشكل عام بعيداً عن هذا التصورات مكرراً أكلاشيهات الماضى و محتقراً للذت المصرية على الرغم من تشابكاتها المتعددة مع الذات الأوربية فى العديد من المجالات فى العصر الحديث؟

وللحديث بقية غداً أو بعد غد إن شاء الله.

أسامة جاد

زميل الأكاديمية البريطانية بلندن بالمملكة المتحدة (بريطانيا) ومدرس الكلاسيكيات وعلم البردى بقسم الحضارة بجامعة عين شمس.

One thought on “Papyri and Papyrology in Egypt revisited: Part I

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s